نسخة تجريبية


مقومات نجاح هيئة تقويم التعليم العام

١٥‏/١٠‏/٢٠١٦

يعد إنشاء هيئة تقويم التعليم العام التي تكللت بموافقة مجلس الوزراء وتم تعيين الدكتور نايف الرومي بالأمس محافظا لها، خطوة مباركة وفي الاتجاه الصحيح، ودعواتنا أن يكتب لها السداد والتوفيق.

ولكل تأسيس جديد يبرز عدد من التحديات التي يمكن أن تجعل جهود المخلصين إنجازات حقيقية. ولأجل أن تتحقق تلك الإنجازات فإن هناك حاجة لتأسيس مقومات نجاح تكون علامات يهتدي بها السالكون في مسيرة تقويم التعليم العام.

ومع تزامن تأسيس الهيئة فإن أبرز مقومات النجاح التي يجدر التذكير بها تظهر في إعداد خطة استراتيجية توضح رؤية الهيئة وسياستها وتطلعاتها خلال العشر سنوات المقبلة، وتكون تلك الخطة قائمة على عنصرين أساسيين: اختيار أفضل الممارسات العالمية الناجحة، وكذلك مواءمتها لاحتياج واقع التعليم المحلي، وذلك لتكون أقرب إلى التحقيق وفق آلية تنفيذية تراعي التدرج في التغيير. ولا شك أن إعداد مثل هذه الاستراتيجية يتطلب استقطاب بيوت خبرة محلية وعالمية، على أن تكون لها قيمتها وعراقتها في طبيعة العمل لتختصر الزمن والتجارب وتقدم للهيئة خلاصة ناجحة؛ ما يجعل من الأهمية الاعتماد بشكل أساس على خبرات مؤسسية أكثر من الاعتماد على خبرات عالمية فردية. إضافة إلى ذلك فلا بد أن تتحقق في الخطة معايير الشمولية والتوازن في التقويم كمبادئ جوهرية بحيث لا يغلب جانب على آخر، بل تكون وفق أولويات واضحة ومحددة، على أن يتبعها آلية تنفيذية واضحة لأعضاء الهيئة وللمستفيدين، بحيث لا تحتاج إلى تفسيرات واجتهادات فردية، وتكون وسيلة التواصل واضحة في نشر آلية التنفيذ والتوعية بها، إذ إن النجاح مرتبط بشكل وثيق بمدى قدرة أي مؤسسة على وضوح آليات تنفيذها ووعي العاملين بها.

إن من مقومات النجاح كذلك التي تصاحب أي تغيير التركيز على إحداث تغيير ثقافي لمفهوم التقويم باعتباره ليس وسيلة للحكم بعد نهاية كل عمل ما؛ بل هو أنجح الوسائل لتتبع مدى الإنجاز من بداية العمل وحتى نهايته وبذل كل الجهود لتقديم المساعدة والسبل والإمكانات وتسخيرها لتحقيق النجاح. إن الهيئة بهذا المفهوم تصبح شريكاً وصانعاً للإنجاز وليست جهة رقابية يتوجس منها العاملون في قطاع التعليم، وهذا الفكر يجب أن يكون سائداً ليس فقط لدى هيئة التقويم وأفرادها، بل يجب تنميته لدى كل المهتمين ليشعروا بأن الهيئة شريك يبحث عن إنجازاتهم ويساعدهم على تحقيقها؛ وليست جهة تبحث عن مواطن خللهم لتكشفها وتعلن عنها، وحتى لا تصبح مهام الهيئة التركيز على اكتشاف وتتبع مواطن القصور.

ومن خلال ممارستي في العمل الأكاديمي وعملي في عدد من المشاريع واللجان وإدارة مركز التميز في جامعة الملك سعود وإشرافي على تقويم السنة التحضيرية، فقد كان هذا النوع من التغيير الثقافي أو التغيير في الفهم والتصورات هو بوابة النجاح في كل عمل حيث يسهم في إيجابية الآخرين ويقلل ثقافة المقاومة والرفض للتغيير.

كذلك مما يجدر معرفته في إعداد استراتيجية لهيئة تقويم التعليم العام أن نتذكر أن فلسفات تقويم التعليم متنوعة ومتعددة في العالم بحسب الثقافات والمجتمعات والرؤى الفكرية التي يملكها كل نظام، فأمريكا على سبيل المثال تتعدد فيها مدارس التقويم وتختلف بطريقة تجعل كل ولاية تتكيف وفق احتياجاتها، كما أن مدارس التقويم تختلف أيضاً وفق الأسلوب الغربي عنها في الأسلوب الشرقي كسنغافورة وكوريا الجنوبية على سبيل المثال، فمن الضرورة بمكان دراسة تلك الاختلافات وتطبيقاتها، والتأني في تفضيل طريقة على أخرى إلا وفق احتياجات الميدان والواقع التعليمي بحيث يكون لدى الهيئة وضوح كامل وشامل عن احتياجات تقويم التعليم في كل مناطق المملكة وفي كل أنواع التعليم.

واستطراداً وتوضيحاً لأهمية ذلك فقد شهدت أمريكا خلال هذا العام في مدينة شيكاغو إضراباً عاماً من معلميها، بسبب رفضهم أسلوب تقويم التعليم الجديد، وفي بريطانيا أيضا تعالت دعوات الرفض لنظام جديد في طريقة تقويم التعليم لديهم، وبهذا فمن المهم أن تتمعن الهيئة في أساليب التغيير المناسبة لمجتمعنا وتهيئة السبل والمناخ المناسب لقبولها وتطبيقها وتجريبها قبل تعميمها واعتبار المرونة أحد أسس التغيير الناجحة.

وأخيراً، فمجرد إنشاء هيئة تقويم التعليم العام خطوة مباركة وتتوافق مع متطلبات التعليم وضروراته المتجددة، وأملنا أن يتبع ذلك خطوات مماثلة وحيوية لتحقيق رؤية طموحة في تميز التعليم في المملكة العربية السعودية وتصبح أنموذجا يحتذى به.

 

الإقتصادية - أ. د. سعود بن ناصر الكثيري